أبو حامد الغزالي

174

تهافت الفلاسفة

وجوده « 1 » ، فالشرط أحدهما لا بعينه - أي لا يمكن جنس في الوجود إلا وله فصل - ، فكذلك من يثبت علتين « 2 » ، ويقطع التسلسل بهما ، فيقول : يتباينان بفصول ، وأحد الفصول شرط الوجود ، لا محالة ، ولكن لا على التعيين . فإن قيل : هذا يجوز في اللون ، فإن له وجودا مضافا إلى الماهية ، زائدا على الماهية ؛ ولا يجوز في واجب الوجود ، إذ ليس له إلا وجوب الوجود ، وليس ثمّت ماهية يضاف الوجود إليها ؛ وكما أن فصل السواد وفصل الحمرة ، لا يشترط « 3 » للونية في كونها لونية ، إنما يشترط في وجودها الحاصل بعلة ، فكذلك ينبغي ألا يشترط في الوجود الواجب ، فإن الوجود الواجب للأول ، كاللونية للون ، لا كالوجود المضاف إلى اللونية . قلنا : لا نسلم ، بل أن له حقيقة موصوفة بالوجود ، على ما سنبينه في المسألة التي بعد هذه ، وقولهم : إنه وجود بلا ماهية خارج عن المعقول . ورجع حاصل الكلام ، إلى أنهم بنوا نفى التثنية على نفى التركيب الجنسي والفصلى ، ثم بنوا ذلك على نفى الماهية وراء الوجود ، فمهما أبطلنا الأخير ، الذي هو أساس الأساس ، بطل الكل عليهم ، وهو بنيان ضعيف الثبوت ، قريب من بيوت العنكبوت . المسلك الثاني الإلزام وهو أنا نقول : إن لم يكن الوجود والجوهرية والمبدئية ، جنسا ، لأنه ليس مقولا في جواب ما هو ، فالأول عندكم عقل مجرد ، كما أن سائر العقول - التي هي المبادئ للوجود ، المسماة بالملائكة عندهم ، التي هي معلولات الأول - عقول مجردة عن المادة ، فهذه الحقيقة تشمل الأول ومعلوله الأول ، فإن المعلول الأول أيضا بسيط لا تركيب في ذاته ، إلا من حيث لزومه ، وهما مشتركان في أن كل واحد منهما عقل مجرد عن المادة ، وهذه حقيقة جنسية ، فليست العقلية المجردة للذات من اللوازم ، بل هي الماهية ،

--> ( 1 ) يعنى خارج العقل . ( 2 ) يعنى الهين . ( 3 ) أي واحد منهما .